mohammedalmorsi


هذا المنتدى ساحة وفضاء واسع لتبادل الأفكار الابداعية التى تقيم مجتمعا فاضلا تجمع بين الماضى الجميل والحاضر الذى نححاول صناعته بدماء الشرفاء المخلصين فى بلداننا العربية والاسلامية وآملنا أن يحيا الانسان عيشة مطمئنة راضية فيها نفسه بالخير ولا ننسى شهداء راب
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 دار القاسم - ادب العزاء

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 253
تاريخ التسجيل : 11/02/2013
العمر : 46

مُساهمةموضوع: دار القاسم - ادب العزاء   الثلاثاء مارس 12, 2013 7:11 pm



المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
[النساء: 1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فعن جرير بن عبد الله  قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»( ).
أخي القارئ: نحييك معنا في الحلقة الثانية من سلسلة الأخطاء الشرعية، وقد جعلتها هذه المرة في التعزية نظرًا لما انتشر بين المسلمين من عادات لا أصل لها في الشرع، ومن هذا تركهم لسنة رسول الله  في التعزية، راجية من المولى الحق أن يعم نفعها الجميع، فإن أصبت فمن الرحمن، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


أم معـــاذ
المدينة النبوية 1/1/1414هـ

أولاً: معنى التعزية والعزاء
لغة: الصبر الحسن( ) أو الصبر عن كل ما فقدت( ).
اصطلاحًا: حمل المصاب على الصبر بما يذكر له من وعد الله تعالى للصابرين من عظيم الأجر وحسن العاقبة( ).
أو التصبر، ويقال: عزَّاه أي صبره، فكل ما يجلب للمصاب صبرًا يقال له تعزية، بأي لفظ كان( ).
والمقصود بتعزية أهل المصيبة هو: تسليتهم، أو قضاء حقوقهم، والتقرب إليهم( )، وتخفيف حزنهم، وتهوين مصيبتهم( ).
كان أبو بكر الصديق  إذا عزى قومًا قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، اذكروا فقد رسول الله  تسهل عليكم مصيبتكم( ).

قال محمود الوراق:
تَعَزَّ بحسن الصبر عن كل هالك

ففي الصبر مسلاة هموم اللوازم

إذا أنت لم تسل اصطبارًا وحسبة

سلوت على الأيام مثل البهائم

وليس يذود النفس عن شهواتها

من الناس إلا كل ما حنى العزائم

قال أبو العتاهية:
اصبر لكل مصيبة وتجلد

واعلم بأن المرء غير مخلد

أو ما ترى أن المصائب جمة

وترى المنية للعباد بمرصد

من لم يصب ممن ترى بمصيبة

هذا قبيل لست فيه بأوحد

وإذا أتتك مصيبة تشجى بها

فاذكر مصابك بالنبي محمد( )

* * *

ثانيًا: ألفاظها
أما لفظ التعزية فلا حجر فيه، فبأي لفظ عزاه حصلت( ).
ومن أحسنها ما قال الرسول  لابنته: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب»( ).
وقد عزى النبي  رجلاً فقال: «رحمك الله وآجرك»( ).
وعزى عبد الله بن عباس عبد الله بن جعفر فقال: لا أعدمك الله الأجر، ولا الخلف من الفقيد، وثقل به ميزانك.
وعزى ابن عباس عمر عن ابنٍ له، فقال له: عوضك الله منه، ما عوضه منك( ).
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أحسن تعزية أهل اليمن، فكانت تعزيتهم: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، وأثابكم ما أثاب المتقين، وأوجب لكم الصلاة والرحمة( ).
وعزَّى الزبير عبد الرحمن بن عوف عن بعض نسائه، فقام على قبرها بعد دفنها، فقال له: لا أصفر( ) الله ربعك، ولا أوحش ميتك، ولا أضاع أجرك، رحم الله متوفاك، وأحسن الخلافة عليك( ).
قال شاعر يعزي نفسه:
لئن كان قربك لي نافعًا

لبعدك أصبح لي أنفعا

لأني أمنت رزايا الدهور

وإن جل خطب فلن أجزعا( )

وقال آخر:
أترجو البقاء وهذا محال

ولله عز وجل البقاء

فلو كان للفضل يبقي كريم

لما مات من خلقه الأنبياء

تموت النفوس وتبقى الشخوص

وعند الحساب يكون الجزاء( )

* * *
ثالثًا: هدي النبي  في العزاء
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وكان من هديه  تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يُجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة.
وكان من هديه: السكون والرضا بقضاء الله، والحمد لله، والاسترجاع، ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته بالندب والنياحة، أو حلق لها شعره.
وكان من هديه  أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعامًا ويرسلونه إليهم، وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم، والحمل عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس.
وكان من هديه  ترك النعي للميت، بل كان ينهى عنه ويقول: هو من عمل الجاهلية، وقد كره حذيفة أن يعلم به أهله الناس إذا مات وقال: أخاف أن يكون النعي( ).
رابعًا: حكم التعزية وفضلها
قال النووي: واعلم أن التعزية مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضًا في قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2].
وثبت في الصحيح أن رسول الله  قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»( )( ).
وأما فضلها:
فعن أنس بن مالك  عن النبي : «من عزى أخاه المؤمن في مصيبته، كساه الله حلة خضراء قال: يحبر بها يوم القيامة» قيل: يا رسول الله ما يحبر؟ قال: «يغبط»( ).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله  يعني ميتًا فلما فرغنا انصرف  وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف، فإذا نحن بامرأة مقبلة –قال: أظنه عرفها– فلما ذهبت إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله : «ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟»، فقالت: أتيت يا رسول الله، أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله : فلعلك بلغت معهم الكدى( )، قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر!، قال: «لو بلغت معهم الكدى» فذكر تشديدًا في ذلك( ).
قلت: وإقرار النبي  فاطمة على التعزية دليل على شرعيتها.
وعن عمرو بن حزم  عن النبي  قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة»( ).
خامسًا: لمن تكون التعزية؟
تكون التعزية لأهل الميت عامة الأقرب فالأقرب، والعزاء في الأصل لمن أصيب، فيعزيه يعني يقويه على تحمل الصبر، ويدخل في هذا القريب والصديق الذي وقعت عليه المصيب موقعها.
والتعزية مشروعة لكل مصيبة( ).
ويستحب أن يعم بالتعزية جميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار الرجال والنساء، إلا أن تكون المرأة شابةً فلا يعزيها إلا محارمها.
قالوا: وتعزية الصلحاء والضعفاء عن احتمال المصيبة والصبيان آكد( ).
* * *

سادسًا: متى تكون التعزية؟
للعلماء فيه أقوال ثلاثة هي:
أولاً: بعد الدفن مطلقًا، قالت به المالكية.
ثانيًا: قبل الدفن وبعده بثلاثة أيام، قال به الشافعية والحنابلة، والتحديد بعد الدفن بثلاث على التقريب لا على التحديد، قاله النووي رحمه الله تعالى.
وقال أيضًا: تكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاث( ).
وهناك صورتان لا بأس بتأخير العزاء فيهما وهما:
1- إذا كان المعزى أو صاحب المصيبة غائبًا حال الدفن.
2- إذا لم يعلم المعزى أو المعزي بوفاة الميت إلا بعد مضي ثلاثة أيام.
ثالثًا: وهناك رأي آخر وهو أن التعزية لا تحد بثلاثة أيام، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، لما ثبت عنه  أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما فذكر فيه أنه أمهل آل جعفر ثلاثة أيام، ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم»( ) الحديث.
وممن قال بهذا القول جماعة من أصحاب أحمد، وهو وجه في مذهب الشافعي، وقد نصره من المتأخرين الألباني( ).
* * *
سابعًا: ما يباح فعله للمعزى
«أهل المصيبة» أثناء العزاء
1- الدعاء لهم وتصبيرهم وتسكينهم كما تقدم.
2- صناعة طعام لهم وذلك لانشغالهم بمصيبتهم، لما ثبت عن النبي  لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب  حين قُتل قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم»( ).
3- صنع التلبينة: وهي طعام على هيئة حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل أو لبن، وسميت تلبينة لشبهها بياضها ورقتها( ).
لما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض والمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله  يقول: «إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب الحزن»( ).
وكانت تقول: هو البغيض النافع( )، تعني التلبينة.
ورواه الترمذي مرفوعًا بلفظ: «إنه يرثو( ) فؤاد الحزين، ويسرو( ) عن فؤاد السقيم، كما تسرو إحداهنَّ الوسخ عن وجهها بالماء»( )، وفي رواية: «ليرتق» يعني يرخي.
4- الحنو على أولاد الميت وإظهار الشفقة عليهم –خصوصًا الأطفال منهم– وتخفيف المصيبة عليهم.
لما روى عبد الله بن جعفر في حديث طويل، وقال فيه: ثم قال النبي : «ادعوا لي ابني أخي»، فجيء بالحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال: «أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي» ثم أخذ بيدي فأشالها، فقال: «اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» قالها ثلاثًا ( ).
وكذلك المسح على رأس اليتيم، قال عبد الله بن جعفر: ثم مسح على رأسي ثلاثًا، وقال كلما مسح: «اللهم اخلف جعفرًا في ولده»( ).
* * *
ثامنًا: المخالفات الشرعية في العزاء
وهي على قسمين: أقوال وأفعال:
* القسم الأول الأقوال: ومنها:
1- قراءة القرآن والاجتماع له، واستئجار القراء بحجة أن الميت يسمع القرآن، أو ينتفع بسماعه ويؤجر عليه!!
قال شيخ الإسلام: ومن قال: إن الميت ينتفع بسماع القرآن، ويؤجر على ذلك فقد غلط، لأن النبي  قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلى من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»( ).
فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا على غيره، وإن كان الميت يسمع قرع نعالهم، ويسمع سلام الذي يسلم عليه، ويسمع غير ذلك، لكن لم يبق له عمل غير ما استثني( ).
وما ورد في هذا الموضوع من الأحاديث والآثار عن الصحابة في جوازه فقد قال الدارقطني: لا يصح في هذا الباب حديث.
فكل هذه الأخبار والآثار شاذة منكرة، مخالفة للأصول العامة المقررة في القرآن المجيد، ومخالفة لما كان عليه النبي  طول حياته هو وسائر أصحابه وتابعيهم بإحسان( ).
2- التعزية بكلمات ليست صحيحة بل مخالفة للشرع:
مثل ما توارد عليه الناس بقولهم لمن يعزونه: البقاء في عمرك، أو البقاء في حياتك. أو قولهم: ما نقص من عمره زاد في عمرك.
فهذه وأمثالها ألفاظ لا تجوز لما يلي:
أ- إن الباقي هو الله وحده جل وعلا.
ب- إن هذا من ادعاء علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.
3- البكاء على الميت والنوح( ) عليه:
أما دمع العين، وحزن القلب، فلا إثم عليه؛ لقول النبي  لما مات ابنه إبراهيم فدمعت عينا النبي  فقال: «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب»( ).
وأنكر على أسامة لما صاح فقال : «ليس هذا مني، وليس بصائح حق، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا يغضب الرب»( ).
أ- عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»( ).
ب- عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : «اثنان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»( ).
جـ- عن عمران بن حصين، عن النبي  أنه قال: «من ينح عليه، يعذب بما نيح عليه يوم القيامة». وهذا محمول على من أوصى بالنوح عليه فإنه يعذب، معنى «يعذب» أي يتألم بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويحزن وهو في قبره، لأنه ثبت أن الميت يسمع في قبره( ).
د- عن عمر بن الخطاب  قال: قال رسول الله : «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»( ).
* القسم الثاني: الأفعال:
ا- انحباس أهل الميت للعزاء ثلاثة أيام، وما يتبعه من أمور مثل:
أ- الاستعداد لاستقبال المعزين بوضع الفرش، والأنوار ووضع الكراسي، وإعداد القهوة والشاي، وربما استئجار قصور الأفراح، وغيرها.
فقد عد علماء المسلمين قديمًا وحديثًا هذه المظاهر من النياحة المحرمة.
قال جرير بن عبد الله البجلي : كنا نعد -وفي رواية نرى– الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة( ).
ومعلوم أن مثل هذا القول له حكم الرفع، لأن جزم الصحابي بإطلاق حكم ما، وقوله: «كنا» يدل على أنه في حياة النبي ، أو أنه بمنزلة رواية إجماع الصحابة ، وعلى التقديرين فهو حجة( ).
وجاء صريحًا إنكار كبار الصحابة لذلك، فقد وفد جرير بن عبد الله على عمر بن الخطاب فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا، قال: وهل يجتمعون عند أهل الميت ويجعلون الطعام؟ قال: نعم، قال: ذلك النوح( ).
وقد أجمع العلماء على إنكار الاجتماع للعزاء: قال الإمام الشافعي رحمه الله: وأكره المآتم –وهي الجماعة– وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن، ويكلف المئونة مع ما مضى من الأثر( )، يقصد حديث جرير. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: أولياء الميت يقصدون في المسجد يعزون؟ قال: أما أنا فلا يعجبني، أخشى أن يكون تعظيمًا للميت، أو قال: للموت( ).
قال الإمام الأوزاعي: الحق أن الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف عليه في زماننا مكروه أو محرم.
وقال الإمام النووي: وأما الجلوس للتعزية فنص الإمام الشافعي على كراهيته، يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قال: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهية الجلوس لها( ).
وكتب كثير من العلماء المعاصرين إنكار العلماء السابقين لمثل هذا العمل، خصوصًا وقد أصبح الناس يتباهون ويتنافسون في ضخامة العزاء وكثرة المعزين، وحسن الاستعداد إلى غيره( ).
ب- ضخامة الطعام للمعزين:
مع أن هذا يتبع الذي قبله فقد أفردته بهذا الحديث لأهميته ولما فيه من المحاذير التي منها ما يلي:
1- إنه خلاف للسنة حيث إن السنة صناعة الطعام لأهل الميت كما تقدم.
2- إنه من أكل أموال الناس بالباطل، حيث إن أهل الميت –غالبًا– يصنعونه من مال المتوفى، ومعلوم أنه يصبح لورثته، فلا يجوز الإنفاق منه إلا بإذنهم، وقد يكون فيهم من لم يبلغ أو غير راض.
3- يساعد على تجمع الناس وإحياء المآتم، وقد سبق بيانه.
4- التثقيل على أهل الميت، وشغلهم مع ما هم فيه من انشغال الخاطر بموت الميت.
5- إن فيه مشابهة لأهل الجاهلية، حيث إنهم كانوا يصنعون الطعام، ويولمون لميتهم إذا مات بعد دفنه، فعن أنس  أن النبي  قال: «لا عقر في الإسلام» قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة في الجاهلية( ).
قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى، ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته( ).
ولما سئل الإمام أحمد عن صنع الطعام والذبح قال: من فعل الجاهلية، وأنكره شديدًا( ).
تنبيه:
1- قال ابن قدامة: فإن دعت الحاجة إلى ذلك –يعني صنع الطعام من قبل أهل الميت جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة، ويبيت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه( ).
ويرى الساعاتي أن ضيافتهم على أهل البلد.
2- إن بعض أهل القرى والأمصار تعودوا جمع الأموال لمن مات له ميت ورفع صوان للعزاء ثلاثة أيام، وقد يأتي بعض المعزين ومعه غنم أو طعام أو غيره، فقد قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض: أنه يحرم؛ لأن ذلك بدعة لا أساس لها في الشرع المطهر، وقالوا: أما ما يأتي به المعزون من الغنم والأكياس إذا كان صدقة منهم لأهل الميت فلا شيء فيه( ).

جـ- السفر للتعزية:
ورد لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله هذا السؤال: ما حكم السفر للعزاء والمكث عند أهل الميت؟( )
فأجاب رحمه الله أن ذلك بحسب أحوال أهل الميت، فإذا كان فيه تثقيل عليهم فلا يجوز، أما إذا كانوا يحبون ذلك فلا حرج، والأمر في ذلك واسع.
وجوابًا عن فتوى أخرى، قال سماحته: لا نعلم بأسًا في السفر من أجل العزاء لقريب أو صديق؛ لما في ذلك من الجبر والمواساة وتخفيف آلام المصيبة، ولا بأس في العزاء قبل الدفن وبعده، وكلما كان أقرب من وقت المصيبة كان أكمل في تخفيف آلامها، وبالله التوفيق( ).
ويفهم من كلام الشيخ رحمه الله أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى التثقيل على أهل الميت، وإلا فإنه قد وجد في زماننا هذا ما يغني عن السفر مثل المهاتفة بالهاتف أو المراسلة بالبرقية أو الرسالة، أو الرسالة الهاتفية (الفاكس) ونحوها.
2- النعي:
معناه لغةً: خبر الموت( ).
واصطلاحًا: نداء الداعي بخبر الموت، وقيل هو الدعاء بموت الميت والإشهار به( ).
وقال الإمام الجوزي: نعى الميت ينعاه نعيًا إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه( ).
حكمه: فيه تفصيل:
1- سنة: وهو إعلام الأهل والصحاب وأهل الصلاح.
2- يكره: وهو دعوة الحفل للمفاخرة.
3- يحرم: وهو الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك.
وذلك لما يلي:
1- عن أبي هريرة  أن رسول الله  نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعًا. [رواه البخاري في صحيحه].
2- وعن أنس بن مالك  قال: قال النبي : «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب – وإن عيني رسول الله  لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» [رواه البخاري أيضًا] وترجم للحديثين بقوله: باب الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه.
قال ابن المنير: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئه أمره والصلاح عليه، والدعاء له والاستغفار، وتنفيذ وصايا وما يترتب على ذلك من الأحكام.
وأما نعي الجاهلية فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن علية عن ابن عون قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم. قال ابن عون: كانوا إذا تُوفي الرجل، ركب رجل دابة، ثم صاح في الناس: أنعي فلانًا وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه.
وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وكان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، وإني سمعت رسول الله  بأذني هاتين ينهى عن النعي. [أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن].
قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات( ).
وقال الزين بن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة أن نعيهم كان لأقاربهم وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدين، ووجه دخول قصة النجاشي كونه كان غريبًا في ديار قومه فكان للمسلمين من حيث الإسلام أخًا فكانوا أخص له من قرابته.
قلت( ): ويحتمل أن يكون بعض أقرباء النجاشي كان بالمدينة حينئذ ممن قدم مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة كذي مخمر ابن أخي النجاشي، فيستوي الحديثان في إعلام أهل كل منهما حقيقة ومجازًا( ).
3- الإحداد:
الإحداد في اللغة: أحدت المرأة على زوجها تحد فهي محد، وحدت تحد وتحد فهي حاد، إذا حزنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة( ).
وذكر ابن حجر تعريفًا شاملاً للإحداد، قال: الإحداد امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع( ).
إحداد المرأة على غير زوجها:
عن محمد بن سيرين قال: توفى ابن لأم عطية رضي الله عنها، فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة( ) فتمسحت به وقالت: نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج. رواه البخاري( ).
وعن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أخبرته قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي  فقالت: سمعت رسول الله  يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرًا» رواه البخاري( ).
ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله  على المنبر يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرًا» رواه البخاري( ).
قال ابن حجر: أباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالب زوجته بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال( ).
إذًا ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الميت سنة كاملة أو أقل أو أكثر وهم لباسهم السواد وحالهم الحزن، هذا كله مخالف لشرع الله للأحاديث السابقة.
صفة الإحداد الشرعي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشرًا، وتجتنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين، ولا تتطيب، ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنهار إلا لحاجة، ولا بالليل إلا لضرورة.
ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله، كالفاكهة، واللحم –لحم الذكر والأنثى– ولها أكل ذلك باتفاق علماء المسلمين، وكذلك شرب ما يباح من الأشربة، ويجوز لها أن تلبس ثياب القطن والكتان وغير ذلك مما أباحه الله، وليس عليها أن تضع ثيابًا بيضاء أو غير بيض للعدة، بل يجوز لها لبس المقفص، لكن لا تلبس ما تتزين به المرأة: مثل الأحمر، والأصفر، والأخضر الصافي، والأزرق الصافي، ونحو ذلك، ولا تلبس الحلي مثل: الأسورة، والخلاخل، والقلائد، ولا تختضب بحناء ولا غيره، ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة مثل: التطريز، والخياطة، والغزل، وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة مثل: كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك.
وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله  الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ونساؤه ، ولا يحل لهن أن يتزوجن بغيره أبدًا لا في العدة ولا بعدها، بخلاف غيرهن، وعلى المسلمين احترامهن كما يحترم الرجل أمه، لكن لا يجوز لغير محرم يخلو بواحدة منهن ولا يسافر بها. والله أعلم( ).
* * *
تاسعًا: فتاوى العلماء في العزاء
أولاً: من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء:
فتوى برقم 3668 وتاريخ 7/6/1401هـ.
س: هل يجوز أن يعمل للميت صدقة بعد أربعين يومًا من وفاته؟
جـ: الصدقة على الميت مشروعة، وليس لها يوم معين تكون فيه، ومن حدد يومًا معينًا فهذا التحديد بدعة، وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال عن إقامة حفل للميت بعد أربعين يومًا من وفاته، وهذا نص الجواب عنه: لم يثبت عن النبي ، ولا عن أصحابه  ولا عن السلف الصالح إقامة حفل للميت مطلقًا، ولا عند وفاته، ولا بعد أسبوع، أو أربعين يومًا، أو سنة من وفاته، بل ذلك بدعة وعادة قبيحة، وكانت عند قدماء المصريين وغيرهم من الكافرين.
فيجب النصح للمسلمين الذين يقيمون هذه الحفلات وإنكارها عليهم عسى أن يتوبوا إلى الله ويتجنبوها لما فيها من الابتداع في الدين ومشابهة الكافرين، وقد ثبت عن النبي  أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم» [رواه أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما].
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» وأصله في الصحيحين من حديث أبي سعيد .
س: عندما يتوفى شخص في بعض البلدان يجلس أهل الميت لتقبل العزاء بعد صلاة المغرب لمدة ثلاثة أيام، هل يجوز ذلك أم أنه بدعة؟
جـ: تعزية المصاب بالميت مشروعة، وهذا لا إشكال فيه، وأما تخصيص وقت معين لقبول العزاء وجعله ثلاثة أيام فهذا من البدع، وقد ثبت عن رسول الله  أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
فتوى برقم 2927 وتاريخ 8/4/1400هـ.
س: ما حكم ذبح ذبيحة أو أكثر في البيت على روح الميت عند مضي أربعين يومًا على وفاته وإطعامها الناس بقصد التقرب إلى الله ليغفر لميتهم ويرحمه ويسمونها الرحمة أو عشاء الميت؟
جـ: ما ذكرت من الذبح على روح الميت عند مضي أربعين يومًا من تاريخ وفاته، وإطعامها الناس تقربًا إلى الله رجاء المغفرة والرحمة بدعة منكرة، فإن النبي  لم يفعل ذلك، ولم يفعله الخلفاء الراشدون، ولا سائر الصحابة ، ولا أئمة أهل العلم، فكان إجماعًا على عدم مشروعيته، وقد ثبت عن النبي  أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [رواه مسلم].
س: ما حكم زيارة النساء القبور يوم الخميس وتوزيع الخبز والتمر واللحم عندها؟
جـ: أولاً: الصدقة عن الميت مشروعة للأحاديث الثابتة في ذلك، لكن لا يكون توزيعها عند القبور، لأنه لا يعهد ذلك في زمن النبي ، ولا زمن الصحابة  فكان بدعة منكرة، لما ثبت من قول النبي : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وكذا تخصيص يوم للصدقة.
ثانيًا: زيارة النساء القبور يوم الخميس أو غيره لا يجوز، لما تقدم في الجواب عن السؤال الأول.
س: ما حكم قراءة القرآن على القبور، وما حكم قراءة القرآن ثلاثة أيام على الأقل في بيت الميت؟
جـ: أولاً: قراءة القرآن على القبور حرام، والصحيح من قول العلماء أن ثواب القراءة لا يصل إلى الميت بل هو بدعة، وقد صدر في ذلك فتوى عن سؤال مماثل هذا نصها: (قراءة القرآن عبادة من العبادات الدينية المحضة، لا يجوز أخذ الأجرة على قراءته للميت، ولا يجوز دفعها لمن يقرأ، وليس فيها ثواب، وفي الحالة هذه يأثم آخذ الأجرة ودافعها).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يصح الاستئجار على القراءة وإهداؤها إلى الميت؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة، وقد قال العلماء أن القارئ لأجل المال لا ثواب له، فأي شيء يهدي إلى الميت؟. انتهى.
والأصل في ذلك أن العبادات مبنية على الحظر، فلا تفعل عبادة إلا إذا دل الدليل الشرعي على مشروعيتها، قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن: 12].
وقال : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي مردود على صاحبه، وهذا العمل الذي يسأل عنه السائل لا نعلم أنه فعله النبي  أو أحد من أصحابه، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، والخير كله في اتباع ما جاء به رسول الله  مع حسن القصد، قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان: 22].
وقال تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 112] والشر كله بمخالفة ما جاء به رسول الله  وصرف القصد بالعمل لغير وجه الله.
ثانيا: من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (ليس للعزاء أيام محدودة)
س: هل للتعزية حد معين؟( )
جـ: لا أعلم لها حدًا معلومًا
س: هل للعزاء أيام محدودة، حيث يقال: إنها ثلاثة أيام فقط؟ أرجو الإفادة جزاكم الله خيرًا؟
جـ: العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، وليس لغايته حد في الشرع المطهر سواء كان ذلك ليلاً أو نهارًا، وسواء كان ذلك في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو في المقبرة أو في غير ذلك من الأماكن. والله ولي التوفيق.
س: هل يعتبر تخصيص أيام ثلاثة للعزاء لأهل الميت من الأمور المبتدعة؟ وهل هناك عزاء للطفل والعجوز والمريض الذي لا يُرجى شفاؤه بعد موتهم؟( )
جـ: التعزية سنة، لما فيها من جبر المصاب والدعاء له بالخير، ولا فرق في ذلك بين كون الميت صغيرًا أو كبيرًا، وليس فيها لفظ مخصوص بل يعزي المسلم أخاه بما تيسر من الألفاظ المناسبة مثل أن يقول: أحسن الله عزاءك، وجبر مصيبتك، وغفر لميتك. إذا كان الميت مسلمًا. أما إذا كان الميت كافرًا فلا يُدعى له وإنما يعزى أقاربه المسلمون بنحو الكلمات المذكورة.
وليس لها وقت مخصوص ولا أيام مخصوصة، بل هي مشروعة من حين موت الميت، قبل الصلاة وبعدها، وقبل الدفن وبعده، والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاثة من موت الميت؛ لعدم الدليل على التحديد.
الكلمات المناسبة للتعزية:
س: الأخ/ ع.م.ح. من القاهرة يقول في سؤاله: بعض الناس إذا أراد أن يعزي إنسانًا في قريب له متوفى يقول له: البقية في حياتك، وشد حيلك ونحو هذه الكلمات.
والسؤال: هل هناك شيء مخصوص يقال في مثل هذه المناسبة، وهل يجب التقيد به؟ أفيدونا مأجورين؟( ).
جـ: لا أعلم دعاء معينًا في ذلك عن النبي ، ولكن يشرع للمعزي أن يعزي أخاه في الله في فقيده بالكلمات المناسبة، مثل: أحسن الله عزاءك، وجبر مصيبتك، وأعظم أجرك، وغفر لميتك.. ونحو ذلك.
أما التعزية بقوله البقية في حياتك أو شد حيلك، فلا أعلم لها أصلاً. وفق الله الجميع.
حكم إقامة مراسم العزاء:
س: تقام مراسم العزاء فيتجمع الناس عند بيت المتوفى خارج المنزل، وتوضع بعض المصابيح الكهربائية – تشبه تلك التي في الأفراح -، ويصطف أهل المتوفى ويمر الذين يريدون تعزيتهم، يمرون عليهم واحدًا بعد الآخر، ويضع كل منهم يده على صدر كل فرد من أهل المتوفى ويقول له: «عظم الله أجرك» فهل هذا الاجتماع وهذا الفعل مطابق للسنة؟ وإذا لم يوافق السنة، فما هي السنة في ذلك؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا؟( ).
ج: هذا العمل ليس مطابقًا للسنة، ولا نعلم له أصلاً في الشرع المطهر. وإنما السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين كهذا الاجتماع، وإنما يشرع لكل مسلم أن يعزي أخاه المسلم بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها. وإذا قابله شرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب مثل: «عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وجبر مصيبتك»، وإذا كان الميت مسلمًا دعا له بالمغفرة والرحمة، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضًا، ويعزي الرجل المرأة والمرأة الرجل لكن دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرمًا له.
وفق الله المسلمين جميعًا للفقه في دينه، والثبات عليه، إنه خير مسئول.
حكم جلوس أهل الميت ثلاثة أيام للتعزية:
س: بعض أهل الميت يجلسون ثلاثة أيام، فما حكم ذلك؟( )
جـ: إذا جلسوا حتى يعزيهم الناس فلا حرج –إن شاء الله– حتى لا يتعبوا الناس، لكن من دون أن يصنعوا للناس وليمة.
الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة:
س: في بعض البلدان إذا مات الميت يجتمعون في بيت الميت ثلاثة أيام يصلون ويدعون له، فما حكم هذا؟( )
جـ: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة، وهكذا الصلاة في البيت لا تجوز، بل على الرجال الصلاة في المسجد مع الجماعة، وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء لهم والترحم على ميتهم.
أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم بقراءة خاصة أو أدعية خاصة أو غير ذلك فذلك بدعة، ولو كان هذا خيرًا لسبقنا إليه سلفنا الصالح. فالرسول  ما فعله، فقد قتل جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة  في معركة مؤتة فجاءه الخبر عليه الصلاة والسلام من الوحي بذلك فنعاهم للصحابة وأخبرهم بموتهم وترضى عنهم ودعا لهم ولم يتخذ لهم مأتمًا.
وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئًا من ذلك، فقد مات الصديق  ولم يتخذوا له مأتمًا، وقتل عمر  وما جعلوا له مأتمًا، ولا جمعوا الناس ليقرءوا القرآن، وقتل عثمان بعد ذلك، وعلي رضي الله عنهما فما فعل الصحابة  لهما شيئًا من ذلك.
وإنما السنة أن يصنع الطعام لأهل الميت من أقاربهم أو جيرانهم فيبعث إليهم، مثلما فعل النبي  حينما جاءه نعي جعفر فقال لأهله «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم»( ) أخرجه الخمسة إلا النسائي.
هذا هو المشروع، أما أن يحملوا بلاء مع بلائهم، ويكلفوا ليصنعوا طعامًا للناس فهو خلاف السنة، وهو بدعة؛ لما ذكرنا آنفًا، ولقول جرير بن عبد الله البجلي : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة.( ) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح.
والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به السنة عن النبي ، فيجب الحذر من ذلك، أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة؛ لقول النبي  لما مات ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون»( ).
عادات الاحتفال بعد موت أحد من الناس:
س: هناك في اليمن عادات يفعلها بعض الناس بعد موت أحد أقاربهم، فهم يضطرون إلى أن يستدينوا من أجل الاحتفالات والأكل والشرب وما أشبه ذلك، حتى وإن كان المتوفى فقيرًا لم يخلف شيئًا، فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرًا؟
جـ: لا يجوز الاحتفال عند موت أحد من الناس، وليس لأهل الميت أن يقيموا احتفالاً ولا يذبحوا ذبائح ويصنعوا طعامًا للناس، كل هذا من البدع ومن أعمال الجاهلية، فالواجب تركه. وقد ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي  قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة( ) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
فالمشروع للمسلمين إذا مات الميت المسلم أن يسألوا الله له المغفرة والرحمة، وأن يتركوا هذه الاحتفالات الجاهلية، لكن يشرع لجيرانهم وأقاربهم أن يصنعوا لهم طعامًا؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة؛ لما ثبت من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي  لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب  لما قتل في غزوة مؤتة في أرض الشام إلى المدينة أمر النبي  أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعامًا قال: «أتاهم ما يشغلهم»( ).
أما أهل الميت فليس لهم صنع الطعام للناس؛ لما تقدم، أما إذا صنعوا ذلك لأنفسهم أو لضيوف نزلوا بهم فلا بأس.
ثالثًا: من فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:
س: بسم الله الرحمن الرحيم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما هو العزاء المشروع؟ وما رأيكم حفظكم الله فيما يفعله بعض الناس من الاجتماع في بيت أحد أقارب الميت وانتظار المعزين فيه وقراءة الفاتحة للميت في نفس المكان؟
جـ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، العزاء مشروع لكل مصيبة، فيعزى المصاب وليس الأقارب فقط، فقد يصاب الإنسان بموت صديقه أكثر مما يصاب بموت قريبه، وقد يموت القريب للشخص ولا يصاب به ولا يهتم بموته، فالعزاء في الأصل إنما هو لمن أصيب، فيعزى يعني يقوى على تحمل الصبر، فمعنى عزيته أي قويته على تحمل الصبر.
وأحسن ما يعزى به ما فعله النبي  حيث أرسل إلى إحدى بناته فقال: «مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى»( ).
وأما اجتماع الناس للعزاء في بيت واحد فإن ذلك من البدع، فإن انضم إلى ذلك صنع الطعام في هذا البيت كان من النياحة، والنياحة كما يعلمه كثير من طلبة العلم من كبائر الذنوب، فإن النبي  لعن النائحة والمستمعة وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب»( ).
وعلى هذا يجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة أن هذا غير مشروع، وأنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة، وأن الواجب على خلف الأمة أن يتبعوا سلفها، فهل جلس النبي  للعزاء في أبنائه؟ أو في زوجته خديجة أو زينب بنت خزيمة؟ هل جلس أبو بكر؟ هل جلس عمر؟ هل جلس عثمان؟ هل جلس علي؟ هل جلس أحد من الصحابة ينتظر من يعزيه؟ أبدًا كل ذلك لم يحصل، ولا شك أن خير الهدي هدي محمد .
وأما ما تلقي عن الآباء وجرت به العادة فهذا يعرض على كتاب الله وسنة رسوله  وهدي السلف فإن وافقه فهو مقبول، لا لأنه عادة بل لأنه وافق سنة، وما خالف فيجب أن يرفض.
ولا ينبغي لطلبة العلم أن يخفضوا للعادات وأن يقولوا كيف ننكر على آبائنا وأمهاتنا وإخواننا شيئًا معتادًا؟ لأننا لو أخذنا بهذه الطريقة ما صلح شيء، ولبقيت الأمور على ما هي عليه بدون إصلاح، وأما قراءة الفاتحة فهي بدعة أيضًا، بدعة على بدعة، فما كان الرسول  يعزي بقراءة الفاتحة أبدًا ولا غيرها من القرآن.
وأما قولهم إنه يقرأ بها على المريض ليشفى؛ لأن النبي  قال: «وما يدريك أنها رقية» فهو يقرأ على المرضى فيشفون بإذن الله، لكن الميت ميت ولن يشفى ولن يبعث إلا يوم القيامة، وكل هذه الأشياء يجب على طلبة العلم أن ينتزعوها من مجتمعاتهم، وأن يعيدوا الناس على ما كان عليه السلف الصالح.
فإن قيل متى نعزي؟! قلنا:
أولاً: العزاء ليس بواجب وغاية ما فيه أنه سنة.
ثانيًا: العزاء إنما يكون للمصاب الذي نعرف أنه تأثر بالمصيبة فنعزيه وندلي عليه بالمواعظ حتى يطمئن.
ثالثًا: إن العزاء المشروع ليس بالاجتماع في البيت، بل في أي مكان نلاقيه نعزيه سواء كان في المسجد أو في السوق أو في غير ذلك.
س: ما صفة التعزية؟
جـ: أحسن ما يعزى به من الصيغ ما عزى به النبي  إحدى بناته، حيث أرسلت إليه رسولاً يدعوه ليحضر وكان صبيًا لها أو صبية في الموت، فقال  لهذا الرسول: «مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى».
وأما ما اشتهر عند الناس من قولهم: عظم الله أجرك، وأحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، فهي كلمة اختارها بعض العلماء، لكن ما جاءت به السنة أولى وأحسن.
س: هل المصافحة سنة في التعزية؟
جـ: المصافحة ليست سنة في التعزية ولا التقبيل أيضًا، وإنما المصافحة عند الملاقاة، فإذا لاقيت المصاب وسلمت عليه وصافحته فهذه سنة من أجل الملاقاة لا من أجل التعزية، ولكن الناس اتخذوها عادة، فإن كانوا يعتقدون أنها سنة فينبغي أن يعرفوا أنها سنة، فلا بأس بها، وعندي فيها قلق، وتركها بلا شك أولى.
وثم هنا مسألة ينبغي التفطن لها وهي أن التعزية يقصد بها تقوية المصاب على الصبر واحتساب الأجر من الله عز وجل وليست كالتهنئة يهنئ بها كل من حصلت له مناسبة، فمناسبة الموت إذا أصيب بها الإنسان – يعزي – أي بما يقوى صبره واحتسابه الأجر من الله سبحانه وتعالى.
س: ما هو وقت التعزية؟
جـ: وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحل المصيبة – إذا كانت التعزية بغير الميت – إلى أن تنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب، ولأن المقصود بالتعزية ليست كما قلت تهنئة أو تحية إنما المقصود بها تقوية المصاب على تحمل هذه المصيبة واحتساب الأجر.
س: هل تجوز التعزية قبل الدفن؟
جـ: نعم تجوز قبل الدفن وبعده – كما سبق قبل قليل – إن وقتها من حين ما يموت الميت إلى أن تنسى المصيبة.
س: ما حكم القصد إلى التعزية والذهاب إلى أهل الميت في بيتهم؟
جـ: هذا ليس له أصل من السنة، ولكن إذا كان الإنسان قريبًا لك وتخشى أن يكون من القطيعة ألا تذهب إليهم فلا حرج أن تذهب، ولكن المصيبة بالنسبة لأهل الميت لا يشرع لهم الاجتماع في البيت وتلقي المعزين؛ لأن هذا عده بعض السلف من النياحة، وإنما يغلقون البيت، ومن صادفهم في السوق أو في المسجد عزاهم.
فهنا أمران:
الأول: الذهاب إلى أهل الميت، وهذا ليس بمشروع، اللهم إلا كما قلت إذا كان من الأقارب ويخشى أن يكون ترك ذلك قطيعة.
الثاني: الجلوس لاستقبال المعزين، وهذا لا أصل له، بل عده بعض السلف مع صنع الطعام من النياحة.
س: انتشرت في الآونة الأخيرة التعزية عن طريق الجرائد والمجلات والرد عليها بالشكر من قبل أهل الميت، ما حكم هذا العمل؟ وهل يدخل في النعي الممنوع؟ علمًا بأن التعزية والرد عليها في الجريدة قد يكلف صفحة كاملة تأخذ الجريدة عليها عشرة آلاف ريال، فهل يدخل ذلك في الإسراف والتبذير؟
جـ: نعم، الذي أرى أن مثل هذا قد يكون من النعي المنهي عنه، وإذا لم يكن منه فإن فيه كما في السؤال تبذيرًا وإضاعة للمال.
والتعزية في الحقيقة ليست كالتهنئة حتى يحرص الإنسان عليها سواء كان الذي فقد ميته حزينًا أم غير حزين، التعزية يقصد بها أنك إذا رأيت مصابًا قد أثرت فيه المصيبة فإنك تقويه على تحمل المصاب، هذا هو المقصود من التعزية وليست من باب المجاملات، وليست من باب التهاني.
فلو علم الناس المقصود من التعزية ما بلغوا بها هذا المبلغ الذي أشرت إليه من نشرها في الصحف، أو الاجتماع لها، وقبول الناس، ووضع الطعام وغير ذلك.
* * *
عاشرًا: تنبيه على مسائل في التعزية( )
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه ويطلع عليه من إخواني المسلمين، وفقني الله وإياهم إلى فعل الطاعات، وجنبني وإياهم البدع والمنكرات، آمين..
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإن الداعي لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير والتنبيه على مسائل في التعزية مخالفة للشرع، قد وقع فيها بعض الناس ولا ينبغي السكوت عنها، بل يجب التنبيه والتحذير منها. أقول وبالله التوفيق:
على كل مسلم أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره، وعليه أن يصبر ويحتسب، وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، لينال ما وعد الله به الصابرين في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157].
وروى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله  يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها»( ).
وليحذر المصاب أن يتكلم بشيء يحبط أجره ويسخط ربه مما يشبه التظلم، والتسخط، فهو سبحانه وتعالى عدل لا يجور، وله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وله في ذلك الحكمة البالغة، وهو الفعال لما يريد، ومن عارض في هذا فإنما يعترض على قضاء الله وقدره الذي هو عين المصلحة والحكمة وأساس العدل والصلاح.
ولا يدعو على نفسه؛ لأن النبي  قال لما مات أبو سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»( )، ويحتسب ثواب الله ويحمده.
وتعزية المصاب بالميت مستحبة؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «من عزى مصابًا فله مثل أجره»( ). والمقصود منها تسلية أهل المصيبة في مصيبتهم ومواساتهم وجبرهم.
ولا بأس بالبكاء على الميت؛ لأن النبي  فعله لما مات ابنه إبراهيم وبعض بناته .
أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونتف الشعر والدعاء بالويل والثبور وما أشبهها فكل ذلك محرم؛ لما روى ابن مسعود  عن النبي  أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»( ).
وعن أبي موسى  قال: إن رسول الله  بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة.( ) وذلك لأن هذه الأشياء وما أشبهها فيها إظهار للجزع والتسخط وعدم الرضا والتسليم.
والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.
والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة.
والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
ويستحب إصلاح الطعام لأهل الميت يبعث به إليهم إعانة لهم وجبرًا لقلوبهم فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم؛ لما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن جعفر قال رسول الله : «اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا فإنه قد أتاهم ما يشغلهم»( ).
وروي عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما أنه قال: فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها.
أما صنع أهل الميت الطعام للناس سواء أكان ذلك من مال الورثة أو من ثلث الميت أو من شخص يفد عليهم فهذا لا يجوز؛ لأنه خلاف السنة ومن عمل الجاهلية، ولأن في ذلك زيادة تعب لهم على مصيبتهم وشغلاً إلى شغلهم.
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي  أنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة( ).
وأما الإحداد فيحرم على المرأة إحداد فوق ثلاثة أيام على ميت غير زوج، فيلزم زوجته الإحداد مدة العدة فقط.
* * *

خاتمة
وأخيرًا أسأل الله العلي القدير بمنه وكرمه أن يجعلنا هداة مهتدين وأن يحيينا على الإسلام، وعلى سنة المصطفى .
وإنني أعلم أخي القارئ أنك ستقع في حيرة بعد علمك بالسنة وما هو واقع في مجتمعنا، مع كثرة الضغوط من الأهل والأقارب وسائر المجتمع، فكم سمعنا بمثل مجتمعنا هذا توجيه اللوم – بل التعيير – والاستهزاء لمن يلتزم بالسنة فلا يجمع الناس في العزاء، ولا يصنع الولائم أو يرضى بها، وغيرها مما تبين خطؤه، حيث يقال له: هؤلاء ما صدقوا أن يموت م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammedalmorsi.forumegypt.net
 
دار القاسم - ادب العزاء
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
mohammedalmorsi :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: